نذير حمدان
210
حكمة القرآن والحضارة
الإنسان لا عن القضايا والمسائل ، فإن دخول هذه في تلك يدل على تمثلها وإبراز النماذج والقدوات في العمل الحي المستمر . إنها أمة الوسط التي تتوزع في علمائها وحكامها وأشخاصها أو هكذا ( جعلنا ) اللّه أمة وسطا عدلا خيارا في قوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ( البقرة 143 ) ، فهو أولا ( جعل ) يدل على فوقية الحكمة والوسطية أكثر مما يدل على فوقية عنصرية أو نسبية ، وهو ثانيا ( جعل ) ( للأمة ) في جميع قطاعاتها وشرائحها ونشاطاتها وليس جعلا لفرد أو لفئة مختارة لا تحقق ( الأمية ) ، وهو ثالثا ( جعل ) مشروط بأن يقوم المسلمون ( المجعولون ) باقتباس الحكمة النظرية والعملية النافعة والدعوة إليها وليس خاصا بالحكمة العلمية الموضوعية التي اشتهر بها بعض المسلمين من فئة الحكماء المتأثرين عبر عصورهم ، ويؤيد هذا أن اللّه جعل من وسطيتهم حكمة شهود على غيرهم من الأمم التي منها شهادتهم يوم القيامة على جحود الأقوام لأنبيائهم فيما ورد في الصحاح « 1 » . إن حكماء المسلمين بالإسلام دينا وبالقرآن كتابا وتشريعا هو الذي يجعل منهم أمة العدل والفضل والخيار والعدل والاعتدال من حيث أن القرآن سجل الحكمة الإلهية ضمنا وصراحة ، ومن حيث أن الإسلام وسط الأديان وحكمتها تماما مثل ما كانوا خير أمة أخرجت للناس بشروطه ومواصفاته . وإذا صرح القرآن في آية مشابهة ( الحج 78 ) بالاجتباء ( هو اجتباكم ) وقرنه بيسر الدين ونفي الحرج منه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ( الحج 78 ) ، فهذا يؤكد التلاحم بين الأمة المسلمة المختارة المصطفاة المعتدلة وبين سلامة الدين من الشدة والتشكيك والضعف المبدئي ، واعتداله ووسطيته . يقول ابن الأثير : ولما جعل اللّه هذه الأمة وسطا خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب . وهو اقتران ملحوظ في ذهن كل متفهم للقرآن مدرك القدرة التغييرية الإصلاحية من الأمة الجاهلة إلى الأمة الوسط ، فهو اقتران ولزوم بين الأمة الوسط والشريعة الوسط ، إذ ليس من
--> ( 1 ) انظر حديث البخاري تفسير ( 4487 ) وما جاء في فتح الباري 8 / 172 وما بعد وما ساقه ابن كثير من الآثار .